ابن عربي
75
فصوص الحكم
بل يحتوي صوراً مقدارية محسوسة تشبه المعاني المجردة ( التي هي أشبه بالمثل الأفلاطونية ) في العالم المعقول ، كما تشبه الموجودات الخارجية في العالم المحسوس . وليس عالم المثال المقيد - أو عالم الخيال - سوى المرآة التي تنعكس عليها صور عالم المثال المطلق في العقل الإنساني : فالمخيلة هي القوة التي تصل الإنسان بعالم المثال ، وليست القوة التي تخلق ما لا وجود له أو تستحضر في الذهن صورة الموجود المحسوس . نعم قد تفعل المخيلة ذلك أحياناً فتخلق صوراً ليس لها ما يقابلها من الحقائق في عالم من العوالم الخمسة التي أشرنا إليها : لأنها في حركة دائمة ونشاط مستمر في النوم واليقظة . فإذا أثرت فيها الحواس أو قوى أخرى اضطربت وظيفتها الحقيقية فخلقت صوراً على غير مثال . أما إذا تحررت تماماً من أثر الحواس والقوى النفسية الأخرى وبلغ نشاطها كماله - ولا يكون ذلك إلا في النوم - فإن صور العالم المثالي تنطبع عليها كما تنطبع صور الشيء المرئي على المرآة وتحصل الرؤيا الصادقة . وليس بغريب أن يعدّ ابن عربي المخيلة التي وصفناها بهذا الوصف قوة من قوى القلب ، فإنه يقول إن قلب النائم يصبح - وقد اتصل بالعالم العلوي هذا الاتصال - أشبه شيء بمجرى غير مضطرب من الماء الصافي ينعكس عليه جميع ما هنالك من صور الحقائق النورانية . أما هذه الصور فليست إلا أشباحاً وظلالًا أو رموزاً لتلك الحقائق التي وراءها . ولذلك يرى وجوب تأويل الأحلام وتعبير الرؤيا . لم يرَ إبراهيم إذن في منامه إلا رمزاً - رأى كبش القربان يتمثل في مخيلته بصورة ابنه ، ولم يرَ ابنه مطلقاً ، ولكن خيل إليه أنه رآه كانت رؤياه صادقة بمعنى أنها كانت رمزاً لحقيقة من الحقائق ، ولكن كان يعوزها التأويل . غير أن إبراهيم لم يؤول ما رأى وهمَّ بذبح ابنه ففداه الله بالكبش . فالذي كان له وجود في العالم المثالي ، والذي وجد بالفعل في العالم المحسوس ، هو الكبش المقدّم للقربان ، وقد ظهرت صورته في مخيلة إبراهيم فاستبدلتها بصورة